الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
358
مناهل العرفان في علوم القرآن
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ * » . قال العلامة الألوسي بعد تفسيره لهذه الآية ما نصه : واختلف في أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أكان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم لا ؟ فقيل إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة ، واختاره البغوي في التهذيب ، وقال : إنه الأصح . وادعى بعضهم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها ، وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية ، فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب « 1 » تعرف الكتابة حينئذ . وروى ابن أبي شيبة وغيره : « ما مات صلّى اللّه عليه وسلّم حتى كتب وقرأ » ونقل هذا للشعبي فصدّقه وقال : سمعت أقواما يقولونه وليس في الآية ما ينافيه . وروى ابن ماجة عن أنس قال : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رأيت ليلة أسرى بي مكتوبا على باب الجنة : الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر » . ثم قال : ويشهد للكتابة أحاديث في صحيح البخاري وغيره ، كما ورد في صلح الحديبية : « فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه » الحديث . وممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي ، وأبو الفتح النيسابوري ، وأبو الوليد الباجي من المغاربة ، وحكاه عن السمناني . وصنف فيه كتابا ، وسبقه إليه ابن منية . ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمى بالزندقة وسب على المنابر ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدّعاه ، وكتب به إلى علماء الأطراف ، فأجابوا بما يوافقه ، ومعرفة الكتاب بعد أميته صلّى اللّه عليه وسلّم لا تنافى المعجزة ، بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم
--> ( 1 ) لعل مراده بهذه الكلمة ، ظهور فساد الارتياب وأنه لا قيمة له